انقلاب أو ثقة؟.. واشنطن تدرس الانسحاب الكامل من سوريا
كشف تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" أن الولايات المتحدة تدرس فكرة الانسحاب الكامل لقواتها العسكرية من سوريا، وفق ما أفاد مسؤولون أميركيون، بعد أن سيطر الجيش على المناطق الشمالية الشرقية من البلاد التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أميركياً بقيادة الأكراد.
ويأتي هذا التحرك بعد ضغط عسكري من دمشق التي تسعى إلى بسط سيطرتها على البلاد، وتخلي قسد عن مساحات واسعة من الأراضي في الأيام الأخيرة حيث انسحبت إلى مدن وقرى يشكل فيها الأكراد أكثرية في محافظة الحسكة، معقلها الأخير في شمال شرق البلاد.
وأعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عن اتفاق مع قائد "قسد" مظلوم عبدي يشمل وقفا لإطلاق النار ودمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة التي ستتولى مسؤولية سجناء تنظيم تنظيم.
فماذا في خلفيات الخطوة الأميركية المحتملة؟
انسحابات سابقة للقوات الأميركية
الولايات المتحدة كانت قد درست الانسحاب من سوريا سابقاً. ففي ديسمبر 2018، أعلن الرئيس ترامب فجأة عن انسحاب كامل لنحو ألفي جندي أميركي، ما أدى إلى استقالة وزير الدفاع آنذاك جيم ماتيس.
ومع ذلك، نجح مستشار الأمن القومي جون بولتون وعدد من كبار المساعدين في تخفيف وقع القرار، وتركوا قوة متبقية في البلاد.
حالياً، يتواجد نحو ألف جندي أميركي في سوريا، معظمهم موزعون على منشآت في الشمال الشرقي حيث يتعاونون مع قوات سوريا الديمقراطية، وعدد قليل منهم في قاعدة التنف جنوب سوريا.
وتتمثل المهمة الأساسية للجيش الأميركي في منع عودة تنظيم داعش الإرهابي، كما تشارك القوات الأميركية بشكل متكرر في دوريات وعمليات مشتركة مع قوات سوريا الديمقراطية.
وفق
التقرير، لم يعلق البنتاغون على الأمر، كما لم تصدر ردود فورية من البيت الأبيض.
تسارع الأحداث وضعف موقف الأكراد
الأحداث المتسارعة الأسبوع الماضي، دفعت البنتاغون لإعادة تقييم جدوى مهمة الجيش الأميركي في سوريا بعد "هزيمة قوات سوريا الديمقراطية"، وفق ثلاثة مسؤولين أميركيين.
استولت القوات السورية على قاعدة عسكرية ومنشآت نفطية وسد على نهر الفرات من قوات سوريا الديمقراطية، مما أضعف موقف الأكراد في التفاوض حول مستقبل آلاف مقاتليهم. وفي إطار وقف إطلاق النار الناتج، سلمت قوات سوريا الديمقراطية مدينتي الرقة ودير الزور، وتولت دمشق السيطرة على المعابر الحدودية والمنشآت النفطية الرئيسية في شمال شرق سوريا.
ماذا يعني تمركز "قسد" في كوباني والحسكة لمستقبلها؟
وكان الجزء الأكبر من نجاح الهجوم نتيجة تحول قوات قبلية عربية كانت سابقاً موالية لقوات سوريا الديمقراطية، لدعم الحكومة، وفق ما أوردت صحيفة وول ستريت جورنال سابقاً. ومع ذلك، لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على مدينتي كوباني والحسكة حيث توجد كثافة سكانية كردية.
ومع هذه التطورات، يرى مسؤولون أميركيون أنه لم يعد هناك سبب لبقاء الجيش الأميركي في سوريا.
ومن بين العوامل الأخرى، الصعوبات المرتبطة بالعمل مع الجيش السوري، الذي يعاني من وجود متعاطفين مع المتطرفين، بمن فيهم جنود لهم صلات بالقاعدة وتنظيم داعش، وآخرون متورطون في جرائم حرب مزعومة ضد الأكراد والدروز، وفقاً لمسؤولين أميركيين.
وتجلّت هذه التحديات في ديسمبر الماضي، عندما قُتل جنديان أميركيان ومترجم أميركي مدني خلال هجوم قرب مدينة تدمر، وكان منفذ الهجوم من أفراد الأمن السوري الذي كان من المقرر فصله بسبب توجهاته المتطرفة، وفق تقرير وول ستريت جورنال.
واقترب الجيش بشكل خطير من القوات الأميركية أثناء العمليات ضد الأكراد، حيث أسقطت القوات الأميركية على الأقل طائرة مسيرة سورية بالقرب من منشأة يتواجد فيها الجيش الأميركي، وفق اثنين من المسؤولين الأميركيين، وفي نفس اليوم هاجمت القوات السورية ثكنات قسد في القاعدة.
ما هو العامل الذي قد يؤثر على الانسحاب المحتمل؟
عامل آخر يؤثر على قرار الانسحاب المحتمل هو وضع آلاف سجناء تنظيم داعش في شمال شرق سوريا.
فقد بدأت الولايات المتحدة الأربعاء نقل 7 آلاف سجين من أصل 9 آلاف إلى العراق، وسط مخاوف متزايدة من هروبهم مع تقدم القوات السورية للسيطرة على المنشآت. والأسبوع الماضي، فرّ 200 سجين من سجن الشدادي بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية، لكن أعيد اعتقالهم على يدالسلطات عند استيلائها على المنشأة، وفق أحد المسؤولين الأميركيين.
ويعتبر نقل سجناء داعش خارج البلاد سبباً إضافياً يقلل من الحاجة لبقاء القوات الأميركية، حسب تشارلز ليستر، مدير برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط، قائلاً: "العامل الأساسي الذي حافظ على وجود القوات الأميركية في سوريا خلال العام الماضي كان مراكز الاحتجاز والمخيمات. يجب أن نعيد تقييم استدامة وجود القوات الأميركية هناك".
ومع ذلك، يرى ليستر أن المهمة الأساسية للجيش الأميركي في سوريا لا تزال القضاء على تنظيم داعش، الذي يشكل تهديداً كبيراً في البلاد، حيث سجل العام الماضي 348 هجوماً للتنظيم و13 محاولة تفجيرات جماعية فاشلة في مناطق تحت سيطرة الحكومة.
من جانبه، لم يخفِ ترامب إعجابه بالرئيس الشرع، الذي زاره في البيت الأبيض العام الماضي. وقال ترامب دفاعاً عن جهود الشرع لتأمين السجون: "هو يعمل بجد".
وأضاف ترامب: "أنا أحب الأكراد، لكن لتعلموا، لقد تلقى الأكراد أموالاً هائلة ونفطاً وأشياء أخرى، فكانوا يعملون لمصلحتهم أكثر مما يعملون لأجلنا. لكننا تعاملنا معهم وحاولنا حمايتهم".
ترحيل لمقاتلي داعش بآليات أميركية
كشف مسؤول أميركي لوكالة رويترز أن الجيش الأميركي يتوقع استكمال نقل ما يصل إلى ٧ آلاف معتقل من تنظيم داعش من سجون في سوريا إلى العراق خلال الأيام المقبلة، وذكر أن المئات سيُنقلون عبر الحدود يوميا.
وقال المسؤول الأميركي الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته إنه يتم خلال عمليات النقل التي تنفذها الولايات المتحدة إعطاء الأولوية لمقاتلي داعش "الأكثر خطورة"، موضحا أنهم ينحدرون من دول مختلفة بعضها أوروبية.
وأوضحت مصادر قانونية عراقية أن معتقلي التنظيم المنقولين من سوريا حتى الآن يحملون جنسيات مختلفة، وأن العراقيين يشكلون المجموعة الأكبر، إلى جانب مقاتلين عرب من دول أخرى ورعايا لبريطانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد.