مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد أبرز أسلحة الحرب في أوكرانيا، لم تعد المواجهة تقتصر على الدبابات والصواريخ والطائرات المسيرة. فكلما تطورت أنظمة التعرف الآلي على الأهداف، ازدادت محاولات إرباكها وخداعها.

في هذا السياق، رصدت صور نشرها الخبير الأوكراني سيرغي فلاش بيسكريستنوف شاحنات عسكرية روسية مغطاة بخطوط سوداء وبيضاء متداخلة تشبه جلد الحمار الوحشي.

أثار المشهد تساؤلات حول ما إذا كانت موسكو تختبر أسلوبا جديدا للتمويه في مواجهة المسيرات الأوكرانية التي تعتمد بشكل متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعرف على الأهداف واستهدافها.

ووفقا لتقرير نشره موقع 20 مينوت، فإن الهدف من هذا التمويه لا يتمثل في إخفاء المركبات عن الأنظار، بل في إرباك أنظمة الرؤية الحاسوبية المستخدمة في بعض المسيرات والصواريخ الأوكرانية.

من الحرب العالمية الأولى إلى أوكرانيا

بحسب تقرير 20 مينوت، فإن التمويه الجديد لا يستند إلى أفكار مستوحاة من الحمار الوحشي كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل إلى تقنية عسكرية قديمة تعرف باسم دازل، Dazzle. وقد استخدم الحلفاء هذا النمط خلال الحرب العالمية الأولى على السفن الحربية بهدف إرباك أطقم الغواصات الألمانية وصعوبة تحديد اتجاه السفينة وسرعتها بدقة عند إطلاق الطوربيدات.

ويعتمد هذا الأسلوب على رسم خطوط وأشكال هندسية عالية التباين بدلا من محاولة إخفاء الهدف. ويوضح التقرير أن التقنية لم تحقق نجاحا حاسما في الحرب العالمية الأولى، إذ إن عدد السفن التي أصيبت بطوربيدات عام 1917 كان أعلى من العام الذي سبقه. كما تراجع استخدامها لاحقا مع انتشار الرادارات خلال الحرب العالمية الثانية.

ورغم تراجعها عسكريا، انتقلت الفكرة إلى قطاع صناعة السيارات، حيث تستخدم شركات السيارات أنماطا مشابهة لإخفاء تفاصيل النماذج الجديدة أثناء اختبارات القيادة ومنع المصورين والمنافسين من تمييز تصميمها الحقيقي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كيف يحاول الروس خداع الذكاء الاصطناعي؟

ويفيد موقع ذا وور زون أن أوكرانيا تستخدم بشكل متزايد مسيرات مزودة بخوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على التعرف على الأهداف وتصنيفها وتتبعها.

وتساعد هذه الأنظمة المشغل البشري على تحديد الهدف أو تسمح للمسيرات الذاتية بتنفيذ الهجوم بعد التعرف عليه.

وتقوم الفكرة الروسية على استغلال إحدى نقاط ضعف أنظمة الرؤية الحاسوبية. فهذه الأنظمة تتعرف على الأشياء استنادا إلى بيانات وصور سبق تدريبها عليها. وإذا ظهرت أمامها أنماط بصرية غير مألوفة، فقد تواجه صعوبة في تحديد طبيعة الهدف.

ويشير التقرير إلى تصريح أدلت به شويلر مور، التي كانت تشغل منصب مديرة التكنولوجيا في القيادة المركزية الأميركية، أوضحت فيه أن إضافة عناصر غير متوقعة إلى صورة طائرة، مثل إطارات على الأجنحة، يمكن أن يربك بعض نماذج الذكاء الاصطناعي ويجعلها أقل قدرة على التعرف على الهدف.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن موسكو تسعى إلى جعل شاحناتها ومركباتها العسكرية تبدو مختلفة عن النماذج التي تدربت عليها أنظمة الاستهداف الأوكرانية. وقد وصف الخبير الأوكراني سيرغي فلاش بيسكريستنوف هذه المركبات بأنها جزء من "تجربة روسية تهدف إلى تضليل المسيرات الأوكرانية".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هل ينجح التمويه فعلا؟

رغم الاهتمام الذي أثارته الصور، فإن الجانب الأوكراني يشكك في فعالية هذه التقنية.

بحسب 20 مينوت، أكد ميكولا كوليسنيك، قائد الفوج 422 للأنظمة غير المأهولة في الجيش الأوكراني، أن هذا النوع من الطلاء "لن يمنعنا بأي حال من الأحوال من تدمير هذه المعدات إذا طليت بهذه الطريقة". وأضاف أن الذخائر الجوالة الحديثة وأنظمة التوجيه المتطورة ما زالت قادرة على استهداف الأهداف بكفاءة بغض النظر عن ألوانها أو أنماط طلائها.

كما يشير التقرير إلى أن فعالية هذا النوع من التمويه قد تكون مؤقتة بطبيعتها. فحتى لو نجح في البداية في إرباك بعض أنظمة التعرف الآلي، يمكن لمطوري الذكاء الاصطناعي تحديث قواعد البيانات ونماذج التدريب بسرعة لتتعرف على المركبات المطلية بالنمط الجديد. وبذلك قد يتحول التمويه "المبهر" إلى مجرد حل قصير الأمد في سباق مستمر بين وسائل الإخفاء وتقنيات الرصد والاستهداف.

حين يتحول السلاح إلى خطر على مطلقيه

ولا تقتصر محاولات إرباك المسيرات على خداع أنظمة التعرف البصري، بل تشمل أيضا استهداف أنظمة الملاحة والتوجيه. ففي يونيو 2026، انفجرت مسيرة بحرية أوكرانية قرب ميناء كونستانتسا الروماني على البحر الأسود بعد أن فقدت السيطرة على مسارها.

ووفقا لوكالة رويترز، قالت البحرية الأوكرانية إن المسيرة تعرضت لحرب إلكترونية روسية أفقدتها القدرة على الملاحة، ما دفعها إلى الانحراف نحو الأراضي الرومانية، العضو في حلف شمال الأطلسي.

وأوضح الرئيس الروماني نيكوشور دان أن دخول المسيرة إلى المجال الروماني كان "نتيجة مباشرة للحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا"، فيما اعتبرت كييف أن الحادثة تبرز قدرة الحرب الإلكترونية على تحويل بعض المسيرات من أدوات هجومية إلى مخاطر غير مقصودة على دول مجاورة.

وتظهر هذه الواقعة أن معركة المسيرات الحديثة لا تدور فقط حول إسقاطها أو تدميرها، بل أيضا حول تضليلها ودفعها إلى اتخاذ مسارات لم تكن مبرمجة عليها أساسا.