كشفت معلومات استخباراتية حصلت عليها منصة "شيبا إنتليجنس"، وهي منصة استخباراتية مستقلة، عن تحركات عسكرية وأمنية مكثفة تخوضها جماعة الحوثي في محافظتي الجوف ومأرب، بهدف محاصرة أزمة قبلية متصاعدة في منطقة الريان باتت تشكل ضغطاً داخلياً غير مسبوق على قيادة الجماعة.
وتشير المعطيات إلى إدارة هذه التحركات عبر غرفة عمليات مشتركة ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، بالتزامن مع نشر حشود عسكرية في مناطق الحزم، واللبنات، ورغوان، بهدف تفكيك التكتل القبلي قبل أن يتحول إلى تمرد مسلح واسع النطاق يهدد معاقل الجماعة.
قضية ميرا صدام حسين.. من القضاء إلى "النكف القبلي"
وتتمحور الأزمة الراهنة حول قضية "سمية الزبيري"، المعروفة إعلامياً وقبلياً باسم "ميرا صدام حسين" (والتي تدعي أنها ابنة غير معلنة للرئيس العراقي الراحل، وهو ما نفته عائلته).
ورغم أن السلطات القضائية في صنعاء كانت قد أصدرت بحقها أحكاماً بالسجن بتهم التزوير والاستيلاء على ممتلكات ورفضت طلبها لإجراء فحص الحمض النووي (DNA)، إلا أن القضية أخذت منعطفاً قبلياً وعسكرياً بالغ الخطورة بعد اتهامها لقيادات حوثية نافذة بمصادرة منزلها وسياراتها.
وتحول مصير "ميرا" المجهول في السجن إلى نقطة تجمع والتفاف لزعماء وأبناء القبائل في منطقة "الريان" بمحافظة الجوف، حيث أطلقت القبائل "النكف القبلي" لمطالبة الحوثيين بالكشف الفوري عن مصيرها وتسليمها، انطلاقاً من الأعراف القبلية اليمنيّة.
هذا التحشيد وضع الجماعة في مأزق حرج، إذ يرى مراقبون أن تسليمها قد يبدو تراجعاً يكسر هيبة السلطة الأمنية، بينما يغذي رفض الكشف عن مصيرها الشكوك حول تعرضها للتعذيب أو الانتهاكات الجسيمة.
ولم تعد انتفاضة "الريان" مجرد احتجاج محلي عابر، بل باتت قيادة الحوثيين تنظر إليها كصاعق تفجير محتمل لعدم استقرار أوسع قد يمتد إلى مناطق سيطرتها الأخرى، خاصة إذا نجحت القبائل في فرض إرادتها وإجبار الجماعة على تقديم تنازلات.
وتتخوف الجماعة من أن يصبح صمود قبائل الجوف نموذجاً ملهماً لانتفاضات مماثلة في مناطق أخرى تعاني من احتقان مكتوم جراء حملات الاعتقال، والتجنيد الإجباري، والجبايات الاقتصادية، وهيمنة الأجهزة الأمنية.
الحرس الثوري على الخط؟
تؤكد معلومات "شيبا إنتليجنس" أن جماعة الحوثي دفعت بحشود عسكرية نحو مديرية رغوان شمالي مأرب، ومنطقتي اللبنات والحزم في الجوف. وتهدف هذه التعزيزات إلى عزل الحشد القبلي ومنع تمدده، مع التجهيز لشن هجوم محتمل نحو المناطق الشرقية للجوف التي ما زالت تحت سيطرة الحكومة الشرعية.
وتم تشكيل غرفة عمليات خاصة لإدارة هذا التصعيد، تخضع لإشراف مباشر من قيادي رفيع المستوى في الحرس الثوري الإيراني إلى جانب الممثل الإيراني الجديد لدى الحوثيين في صنعاء، علي محمد رمضاني.
كبار قادة الحوثي في الميدان؟
وأوكلت قيادة الجماعة لكل من "أبو علي الحاكم" (المسؤول الأول عن ملف القبائل) و"يوسف المداني" (أبرز القادة العسكريين والميدانيين) مهمة قيادة العمليات الميدانية، والتي تتركز أهدافها في:
- تفكيك التكتل القبلي في الريان وإضعاف تماسك القبائل عبر الاختراق والضغوط الداخلية
- فرض السيطرة العسكرية الكاملة على منطقة الريان والمناطق الشرقية لمحافظة الجوف.
- تكثيف الضغط العسكري على محافظة مأرب واستهداف مناطق الامتياز النفطي والغازي المحيطة بها.
وتتحرك الجماعة حالياً، بحسب التقرير، عبر مسارين متوازيين:
- الأول سياسي وأمني يعتمد على اختراق الأوساط القبلية، والضغط على المشايخ، ومحاولة شق صف حشود الريان من الداخل.
- الثاني عسكري بحت يتمثل في الحشد والتموضع حول الجوف ومأرب استعداداً للخيار الصِفْري.
ورغم ذلك، تبدو فاعلية الاختراق والضغط الدبلوماسي محدودة ما لم تتوصل الجماعة إلى تسوية قبلية مقنعة أو تندفع نحو الحسم العسكري المباشر، بحسب التقرير.

مغامرة عسكرية
وتنطوي أي خطوة حوثية لشن هجوم مباشر على مخاطر كبرى، فإذا ما تقرر اقتحام "الريان" أو شرق الجوف، قد تستغل القوات الحكومية التوقيت لفتح جبهات إسناد واسعة.
كما أن هذا التصعيد قد يوفر المبررات اللازمة لتدخل إقليمي أو دولي أوسع لردع الحوثيين، لا سيما إذا هددت العمليات منشآت الطاقة أو البنية التحتية الحيوية في مأرب.
وتضاعف جغرافيا التموضع الحالي من خطورة الموقف، إذ تقع مديرية رغوان على ممر شمالي حساس يؤدي إلى مأرب، بينما تمثل الحزم واللبنات العصب اللوجستي لخرائط السيطرة في الجوف، وأي تحرك حوثي في هذه المحاور سيضعف جبهات الحكومة شرق الجوف ويخلق تهديدات مباشرة لحزام الطاقة الاستراتيجي في مأرب، وبخاصة المنشآت النفطية والغازية وطرق الإمداد المرتبطة بمنطقة صافر، بحسب التقرير.

سيناريوهات المرحلة المقبلة
يتطابق توقيت أزمة "الريان" مع تصاعد الخلاف حول خط الطيران المباشر بين إيران وصنعاء، وهذا التداخل المعقد يضع القيادة الحوثية بين فكي كماشة: مسار تصعيد خارجي، وتحدٍ قبلي داخلي (فجرته قضية ميرا صدام) يحمل بذور الانفجار والتمدد.
تُظهر القراءة الكلية للمشهد محاولة الحوثيين تحويل أزمة قبلية محلية إلى مواجهة سياسية وإقليمية كبرى؛ فمن خلال ربط مطار صنعاء بطهران، والحشد قرب مأرب والجوف، تسعى الجماعة لتصدير قوتها والتغطية على نقاط ضعفها الداخلية.
ومع ذلك، تكشف أزمة "الريان" عن حقيقة واضحة: تواجه الجماعة مأزقاً قبلياً محلياً بامتياز، لا يمكن حله بالشعارات الدعائية أو بالهروب إلى التصعيد الخارجي.
وستعتمد المرحلة القادمة بشكل رئيسي على ٣ متغيرات متشابكة:
مدى قدرة الحوثيين على الانتقال من مرحلة الحشد إلى الهجوم العسكري المباشر في الجوف أو مأرب.
مدى صمود التكتل القبلي في "الريان" أمام محاولات الاختراق والترهيب.
الخلاف حول رحلات "طهران - صنعاء" وإمكانية توليده لرد أمني أو عسكري أوسع.
إذا تلاقت هذه المسارات في نقطة تصعيد واحدة، فإن اليمن سيتجه نحو موجة مواجهات جديدة بالغة الخطورة، تشتبك فيها الانفجارات القبلية المحلية بالنفوذ الإيراني، وعسكرة البحر الأحمر، والصراع المصيري حول مناطق الطاقة الاستراتيجية في مأرب، بحسب التقرير.





