بعد سلسلة توقيفات مشابهة، وفي وقت أعلنت فيه وزارة العدل السورية وضع ضوابط تجعل أمر توقيف المتهمين في قضايا النشر الإلكتروني استثنائياً، أعاد اعتقال ناشط سوري يحمل الجنسية البريطانية في مطار دمشق الدولي الجدل حول حدود حرية التعبير في سوريا الجديدة.
اعتقال بالمطار
الحكاية بدأت بعدما أفادت تقارير حقوقية بتوقيف الناشط باسل حافظ في المطار أثناء عودته إلى دمشق على خلفية شكوى مرتبطة بتعليق نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أوقفت السلطات الرجل عقب وصوله إلى المطار مستخدماً جواز سفره البريطاني، قبل تحويله إلى فرع الجرائم الإلكترونية للتحقيق.
وحتى الآن، لم يُكشف رسمياً عن مضمون المنشور أو هوية الجهة التي تقدمت بالشكوى، كما لم يصدر توضيح رسمي مفصل حول الأساس القانوني للتوقيف.
انقسام سوري حاد
لكن الأمر لم يمر مرور الكرام، فسرعان ما تجاوز النقاش مصير الموقوف نفسه، ليتحول إلى مواجهة عبر المنصات، بين رؤيتين حول شكل الدولة والقانون بعد سقوط نظام الأسد، إذ رأى فريق من السوريين أن وجود حرية التعبير لا يعني إعفاء أي شخص من المسؤولية القانونية، وأن التشهير والتهديد والتحريض والإساءة الشخصية يمكن أن تشكل جرائم بصرف النظر عن كونها منشورة على فيسبوك أو غيره.
وأضافوا وفقا لهذا الرأي، أن وجود شكوى وتحقيق قضائي لا يعني بالضرورة عودة "الدولة الأمنية"، ما دامت القضية تمر عبر القضاء ويملك المتهم حق الدفاع عن نفسه.
في المقابل، رأى منتقدون أن المشكلة ليست في مبدأ المساءلة القانونية، بل في "اللجوء إلى التوقيف بسبب محتوى منشور على وسائل التواصل"، ولا سيما في بلد عاش لعقود تحت سلطة كانت تستخدم القوانين والأجهزة الأمنية لملاحقة المعارضين وأصحاب الرأي.
لهذا حضرت المقارنة مع عهد الأسد بقوة في النقاش بين السوريين على المنصات، مع تساؤلات عما إذا كان على السوري أن يخشى عند دخوله المطار من وجود شكوى مرتبطة بمنشور كتبه في الخارج، فما الذي تغير عملياً في العلاقة بين المواطن والأجهزة الأمنية؟
القضية قديمة
لعل ما يزيد التكهنات أن الحادثة ليست الأولى من نوعها خلال الأشهر الأخيرة.
ففي يونيو الماضي، أثار توقيف صانع محتوى جدلاً واسعاً بعدما أوقف على خلفية شكاوى تتعلق بالقدح والذم والتشهير الإلكتروني، قبل الإفراج عنه لاحقاً بعد سحب إحدى الشكاوى.
كما شهدت الأشهر التالية حالات أخرى مرتبطة بالنشر أو التعبير، بينها توقيف صحافي على خلفية رسالة متداولة عبر "واتساب"، وتوقيف شخصيات وناشطين آخرين بعد انتقادات أو منشورات على وسائل التواصل.
وتشير هذه الحالات إلى أن القضية لم تعد مرتبطة بشخص واحد، بل بنقاش أوسع حول القوانين التي تنظم التعبير الإلكتروني في سوريا، والجهة التي تملك صلاحية توقيف أصحاب المنشورات، والحد الفاصل بين النقد المشروع والجريمة، وفق المعلقين.
قانون من عهد الأسد ورواية رسمية غائبة
في قلب هذا الجدل، يقف القانون رقم 20 لعام 2022، المعروف بقانون الجرائم الإلكترونية، والذي صدر في عهد بشار الأسد ولا يزال سارياً.
وكان القانون موضع انتقادات حقوقية واسعة بسبب مواد اعتُبرت فضفاضة وقابلة للاستخدام ضد حرية التعبير، فيما أعلنت وزارة العدل السورية في يونيو الماضي تشكيل لجان لإعادة دراسته بهدف الوصول إلى صياغة تحقق التوازن بين مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية الحقوق والحريات.
ثم أصدرت الوزارة لاحقاً التعميم رقم 26 لضبط إجراءات التعامل مع هذه القضايا، مؤكدة أن التوقيف الاحتياطي يجب أن يبقى "إجراءً استثنائياً"، وأن قضايا القدح والذم الإلكتروني التي يكون فيها صاحب المنشور معروف الهوية يفترض، في الأصل، أن تُرفع مباشرة أمام المحكمة المختصة بدلاً من إحالتها تلقائياً إلى فرع الجرائم الإلكترونية.

لكن الأسئلة لم تتوقف، خصوصا حول طبيعة الشكوى التي سمحت بتوقيف رجل فور دخوله البلاد وتحويله إلى الجرائم الإلكترونية، وفيما إذا استوفيت الضوابط الجديدة التي وضعتها وزارة العدل، وسط غياب رواية رسمية مفصلة.





