تحولت مداخلة خلال ندوة مخصصة لمناقشة خطاب الكراهية والتحريض في دمشق إلى مواجهة كلامية، امتدت لاحقاً إلى مقاطع فيديو ومنشورات على مواقع التواصل الجتماعي.
الحكاية بدأت من سجال بين الناشط السوري فارس زين العابدين والمدير التنفيذي لمؤسسة "العدالة للجميع"، إياد شربجي، أثناء الندوة التي نظمتها مؤسسة "العدالة للجميع" تحت عنوان "خطاب الكراهية والتحريض: بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية والمجتمعية"، بحضور مختصين قانونيين وإعلاميين وممثلين عن مؤسسات حكومية.
وأشعلت عبارة "نحن حرّرناكم"، التي ترددت خلال السجال، موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبر منتقدون أنها توحي بمنح المشاركين في إسقاط نظام الأسد حق الوصاية على الآخرين.
ثم تحوّلت العبارة إلى محور نقاش حول دور المقاتلين في المرحلة الجديدة، وحدود حرية التعبير والاختلاف، في وقت كانت الندوة نفسها مخصصة لمواجهة التحريض وتعزيز الحوار بين السوريين.

فيديو ساخر يشعل الجدل
وبعد انتهاد الندوة، ضجت الأوساط السورية بمقطع فيديو نشره فارس زين العابدين عبر حساباته، تضمن جزءاً من مداخلته خلال الندوة، وجّه فيه انتقادات إلى شربجي، بأسلوب أثار ردود فعل واسعة، حيث قال "أنتم حزب الويسكي"، في إشارة إلى شربجي ومن معه.
وأعاد مستخدمون نشر المقطع مصحوباً بتعليقات بعضها مؤيدة لزين العابدين وأخرى منتقدة لطريقة مخاطبته منظمي الندوة، بينما اتسع النقاش إلى حدود النقد الشخصي وحرية التعبير في الفعاليات العامة.
ثم تداولت حسابات أيضاً مقطعاً منسوباً إلى زين العابدين يتحدث عن اعتذاره عن طريقة المداخلة، لكن عند الدقيقة الأخيرة من المقطع يتضح أن عابدين كان يسخر ولم يقدم أي اعتذار.
أما المفارقة اللافتة، فكانت أن الخلاف انتقل من قاعة خُصصت لمناقشة مواجهة خطاب الكراهية إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي كانت إحدى القضايا المطروحة للنقاش خلال الندوة.

شربجي يرد بفيديو أيضا
بدوره، رد المدير التنفيذي لمؤسسة "العدالة للجميع"، إياد شربجي، في مقطع مصوّر، بأن الندوة التي خُصصت لمناقشة مكافحة خطاب التحريض والكراهية تحوّلت هي نفسها إلى هدف لحملة من التحريض والإساءة.
واتهم شربجي فارس زين العابدين بتعطيل مجريات الندوة عبر الصراخ ومقاطعة المتحدثين مراراً، رغم إتاحة المجال أمامه للمشاركة وطرح آرائه خلال فقرة النقاش.
كما أوضح أن القائمين على الندوة قرروا السماح له بالحضور رغم تلقيهم تحذيراً مسبقاً من نيته إثارة مواجهة، مؤكداً أن الهدف كان فتح باب الحوار أمام الجميع.
وانتقد شربجي اختزال نقاش استمر 3 ساعات، بمشاركة شخصيات قضائية وإعلامية وثقافية، في الجدل الذي أثاره زين العابدين، معتبراً أن ما جرى يناقض جوهر الندوة الداعية إلى نبذ الكراهية واحترام الاختلاف.

"بلينكس" رصدت الندوة
وكان إياد شربجي قال، في تصريح خاص لـ"بلينكس"، خلال تغطيتها الندوة، إن التفاعل مع اللقاء يعكس رغبة لدى المجتمع السوري في مناقشة تداعيات خطاب الكراهية والتحريض.
وأكد أن الحوار بحد ذاته يمثل خطوة إيجابية، حتى إن لم ينجح في معالجة جميع الأزمات التي تواجه البلاد.
وأوضح شربجي أن المؤسسة تعرضت قبل انعقاد الندوة لحملة استهدفتها، وتضمنت، بحسب وصفه، محاولات لتشويه أهدافها وشيطنة القائمين عليها.
وأشار إلى أن بعض الأطراف تستفيد من أجواء الصراع والتحريض في تعزيز حضورها، ما يجعل محاولات فتح نقاش مختلف عرضة للهجوم.

وشدد على أن المؤسسة أصرت على تنظيم اللقاء رغم الانتقادات، انطلاقاً من أهمية توفير مساحة للحوار بين المواطنين والمسؤولين.
إلى ذلك، لم يقتصر النقاش خلال الندوة على الجوانب الاجتماعية لخطاب الكراهية، بل امتد إلى مسؤولية المؤسسات الإعلامية والقانونية عن مواجهة التحريض.
وقال مدير الشؤون الصحفية والتراخيص في وزارة الإعلام السورية، عمر حاج أحمد، لـ"بلينكس"، إن الوزارة اتخذت خطوات في هذا المجال، أبرزها وضع مدونة للسلوك الإعلامي والعمل على قضايا الجرائم الإلكترونية.
وأوضح أن الندوة خلصت إلى توصيات يمكن إحالتها إلى لجان مختصة لمتابعتها ودراستها.
من جانبه، أكد رئيس النيابة العامة المعلوماتية بدمشق، القاضي عبد الرحمن البكري، لـ"بلينكس"، أن قانون الجرائم المعلوماتية الصادر عام 2022 لا يزال معمولاً به، لكنه يحتاج إلى تعديلات واسعة تتناسب مع المرحلة الحالية.
وأشار إلى العمل على مشروع تشريعي جديد لمعالجة الجرائم المعلوماتية، في ظل استمرار العمل بالقوانين السابقة إلى حين تعديلها أو استبدالها.
جهود حكومية لمواجهة التحريض
يذكر أنه منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت السلطات السورية خطوات لتعزيز السلم الأهلي ومواجهة الانقسامات المجتمعية، بينها مؤتمر الحوار الوطني في فبراير 2025، وتشكيل لجنة عليا للحفاظ على السلم الأهلي في مارس من العام نفسه.
وفي فبراير 2026، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي، بهدف ترسيخ المسؤولية الإعلامية ومواجهة التضليل وخطاب الكراهية.

كما اختتمت الأكاديمية السورية للإعلام، في 31 أكتوبر 2026، حملة "الكلمة تبني"، بالتعاون مع وزارة الإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، للتوعية بمخاطر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة.
وفي ظل هذه المبادرات، أعاد السجال بين زين العابدين وشربجي طرح السؤال الذي سعت الندوة إلى مناقشته بتحديد نقطة انتهاء حرية التعبير والنقد، وبداية المسؤولية عن الخطاب المتداول في الفضاء العام.





