في 21 مايو 2026، كانت طائرة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي تعود من إستونيا إلى لندن عندما اختفت إشارات الملاحة الفضائية فجأة. اضطر الطيارون إلى التخلي عن نظام GPS والاعتماد على أنظمة ملاحة بديلة، فيما تعطلت بعض وظائف قمرة القيادة طوال الرحلة.
وقبل ذلك بأشهر، واجهت طائرة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أزمة مشابهة فوق بلغاريا، إذ فقدت خدمات الملاحة الإلكترونية واضطر الطيار إلى استخدام الخرائط الورقية للهبوط بعد التحليق حول المطار لمدة ساعة كاملة.
لم تكن هذه سوى أمثلة بارزة من موجة متصاعدة من التشويش والتضليل الإلكتروني التي طالت، وفق السلطات الأوروبية، نحو 123 ألف رحلة جوية خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025. ما كان يعد في السابق حادثا نادرا تحول اليوم إلى ظاهرة عالمية تهدد الطيران والشحن البحري وحتى حياة المدنيين اليومية.
من يقف وراء العبث بإشارات GPS؟
بحسب تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي، لم يعد الجدل يدور حول وجود التشويش من عدمه، بل حول حجمه وانتشاره. فقد ذهبت الجمعية العامة لمنظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو" إلى حد تسمية دولتين باعتبارهما أبرز المتسببين في هذه الظاهرة، وهما روسيا وكوريا الشمالية.
وأشارت المجلة إلى أن التدخلات في منطقة بحر البلطيق تنطلق بصورة شبه كاملة من روسيا، بينما تشهد منطقة الشرق الأوسط عمليات تشويش وتضليل تنفذها إسرائيل وإيران وأطراف أخرى في بعض الحالات.
وتتهم دول أوروبية موسكو باستخدام التشويش كجزء من أدوات الحرب الإلكترونية. فبحسب تقرير لشبكة سكاي نيوز، قالت المفوضية الأوروبية إن السلطات البلغارية أبلغتها بأن التشويش الذي أصاب طائرة أورسولا فون دير لاين كان "تدخلا سافرا" يشتبه في أن روسيا تقف وراءه. كما صرح متحدث أوروبي بأن "التهديدات والترهيب عنصر منتظم في الأعمال العدائية الروسية".
وفي حادثة أخرى، وصف مصدر بريطاني تشويش الإشارات على طائرة وزير الدفاع البريطاني بأنه "تدخل روسي متهور"، مشيرا إلى أن العبث بأنظمة GPS أصبح جزءا روتينيا من الحروب الحديثة.
أما في شمال أوروبا، فقد قالت هيئة الاتصالات النرويجية إن الاضطرابات القادمة من شبه جزيرة كولا الروسية أصبحت شبه يومية في أجواء إقليم فينمارك.
وسجلت النرويج 294 يوما من التشويش خلال عام 2023 مقارنة بـ18 يوما فقط في عام 2021 قبل الحرب الروسية الأوكرانية. كما أكد مسؤولون نرويجيون أنهم تتبعوا مصادر التشويش إلى مواقع روسية قرب الحدود.
ولا تقتصر الظاهرة على الحوادث الفردية أو الرحلات الرسمية البارزة. بحسب تقرير نشره موقع بارنتس أوبزرفر، أصبحت الطائرات المدنية في شمال النرويج تواجه اضطرابات في إشارات الملاحة بشكل شبه يومي.
أفادت هيئة الاتصالات النرويجية بأنها سجلت تشويشا على إشارات GPS خلال 294 يوما في عام 2023، مقابل 122 يوما في عام 2022 و18 يوما فقط في عام 2021.
كما تلقت السلطات بلاغات من طياري شركات الطيران المدنية، وطائرات الإسعاف الجوي، ورحلات الركاب المنتظمة التي تستخدم مطارات شمال البلاد.
ليست الطائرات فقط.. سفن على اليابسة وسيارات في البحر
لا يقتصر الخطر على الطيران، إذ تعتمد السفن التجارية والناقلات العملاقة، بحسب فورين بوليسي، على أنظمة الملاحة الفضائية تماما كما تعتمد عليها الطائرات. وعندما تتعرض الإشارات للتضليل، قد تظهر السفينة على شاشات التتبع في مكان مختلف تماما عن موقعها الحقيقي.
وأشار التقرير إلى أن مناطق مثل البحر الأسود والبحر الأحمر والخليج العربي وخليج عمان وشرق المتوسط أصبحت بؤرا رئيسية للتشويش.
وقال بن ويستكوت، مدير الخدمات الرقمية في شركة أمبري المتخصصة في الأمن البحري: "السفن إما تفقد الإشارة تماما أو تتلقى إشارات مشوهة".





