صُممت في الأصل لمراقبة الأرض ورصد أدق التفاصيل عليها، لكنها ستتجه الآن إلى أعماق الفضاء بحثا عن إجابة لأحد أكبر ألغاز الفيزياء.
ففي قلب تلسكوب "نانسي غريس رومان" الجديد التابع لوكالة ناسا، تستقر مرآة كانت مخصصة لقمر تجسس أميركي أُلغي قبل إطلاقه، لتتحول من أداة استخباراتية سرية إلى نافذة قد تكشف أسرار الطاقة المظلمة وأكثر من 100 ألف كوكب خارج نظامنا الشمسي.
مشروع لم يُثر الحماسة
فقد بدأت قصة التلسكوب تحت اسم "تلسكوب المسح بالأشعة تحت الحمراء واسع المجال"، أو WFIRST، حين اقترح علماء الفلك مهمة فضائية تتجاوز تكلفتها مليار دولار، هدفها دراسة تمدد الكون عبر مليارات السنين.
وكان من المفترض أن تساعد عمليات الرصد بالأشعة تحت الحمراء العلماء على حساب معدل توسع الكون بدقة، وفهم طبيعة الطاقة المظلمة التي يُعتقد أنها تقف خلف تسارع هذا التوسع.
لكن التصميم الأولي لم يثر حماسة قطاعات واسعة من علماء الفلك، ولا سيما الباحثين عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية. فالمرآة المقترحة، التي بلغ قطرها نحو خمسة أقدام، اعتُبرت صغيرة وغير قادرة على جمع كمية كافية من الضوء لرصد الأجرام البعيدة والخافتة.
وقال عالم الفلك آلان دريسلر، الذي ترأس لجنة صنّفت المهمة أولوية كبرى عام 2010، إن حشد التأييد للمشروع كان "صعبا للغاية".

هدية من عالم التجسس
تغير مسار المشروع في يناير 2011، عندما تلقى المسؤول في ناسا مايكل مور اتصالا من مكتب الاستطلاع الوطني الأميركي، وهو الوكالة السرية المسؤولة عن أقمار التجسس.
كان لدى المكتب مرآتان متطورتان، يبلغ عرض كل منهما نحو ثمانية أقدام، أي بحجم يقارب مرآة تلسكوب هابل، وقد صُنعتا بالفعل لكنهما لم تعودا مطلوبتين.
فيما لم تكشف الوكالة تفاصيل المشروع الذي أُعدت المرآتان من أجله، غير أن توقيت تصنيعهما في أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة يتوافق مع برنامج "هندسة التصوير المستقبلية"، الذي سعى إلى تطوير جيل متقدم من أقمار المراقبة قبل إلغائه عام 2005.
وفي 2012، قبلت ناسا العرض، لتصبح إحدى المرآتين أساسا لمشروع WFIRST، الذي أعيدت تسميته لاحقا تكريما لنانسي غريس رومان، أول رئيسة لعلم الفلك في الوكالة.

من مراقبة الأرض إلى أعماق الفضاء
تعمل مرايا التلسكوبات بطريقة متشابهة سواء وُجهت نحو الأرض أو إلى الفضاء. فهي تجمع الضوء وتعكسه إلى الكاميرات والأجهزة العلمية، وكلما زاد حجمها تمكنت من التقاط تفاصيل أدق.
بالنسبة إلى وكالات الاستخبارات، تعني المرآة الكبيرة رؤية أهداف أصغر على سطح الأرض. أما بالنسبة إلى علماء الفلك، فتعني القدرة على رصد أجرام أكثر خفوتا وأبعد مسافة.
ومنحت المرآة الجديدة تلسكوب رومان قدرة على جمع الضوء تزيد بنحو مرتين ونصف المرة على التصميم الأصلي، وفتحت الباب أمام توسيع أهداف المهمة لتشمل البحث عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية.
كما أضيف إلى التلسكوب جهاز "كوروناغراف"، الذي يحجب ضوء النجوم الساطع لإظهار الكواكب التي تدور حولها، في اختبار لتقنية قد تُستخدم مستقبلا في البحث عن عوالم شبيهة بالأرض.
مرآة بلا ميزانية
لم يكن الحصول على المرآة كافيا لإطلاق المشروع، إذ لم تتضمن ميزانية ناسا أموالا لبدء العمل عليها.
ودافعت الوكالة أمام مكتب الإدارة والميزانية عن المشروع باعتباره وسيلة للاستفادة من معدات متقدمة دفع دافعو الضرائب تكلفتها بالفعل، إلى جانب قدرته على تعزيز موقع الولايات المتحدة في علوم الفضاء.
ورغم اقتراح إدارة باراك أوباما تخفيضات كبيرة في برنامج الفيزياء الفلكية التابع لناسا، حصل المشروع على التمويل اللازم للانطلاق. وخلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، حاولت الإدارة إلغاء التلسكوب أكثر من مرة، لكن الكونغرس حافظ على تمويله بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
عين على الطاقة المظلمة
يستعد تلسكوب رومان لتوفير بيانات انتظرها علماء الفيزياء الفلكية لعقود. وسيجري مسحا واسعا للسماء بهدف تتبع كيفية تغير تمدد الكون، ودراسة توزيع المجرات والمادة عبر الزمن، والبحث عن أكثر من 100 ألف كوكب خارج المجموعة الشمسية.
أما مصير المرآة الثانية التي قدمها مكتب الاستطلاع الوطني، فلا يزال غامضا. وتقول ناسا إنه لا توجد لديها خطط حالية لاستخدامها، بينما أشار مسؤول سابق في الوكالة إلى أنها أُعيدت ولم تعد في حوزتها.
وبذلك، تبدأ المرآة الأولى حياة جديدة لم تُصمم من أجلها: فبعدما صُنعت لتكشف ما يجري على الأرض، ستبحث في السماء عن السبب الذي يجعل الكون يتوسع بوتيرة متسارعة.
وكما يقول مدير معهد علوم تلسكوبات الفضاء السابق مات ماونتن: "نموذجنا الحالي للكون لا يعمل.. ومن الجيد أن نفهم ما الذي يجري".





