تصعيد الولايات المتحدة للضغوط الاقتصادية على إيران في الأسابيع القليلة الماضية، عبر تقييد صادرات النفط ووقف التهرب من العقوبات بدأ يؤتي ثماره، بحسب تقرير لوكالة رويترز، وهذا الأمر وضع حكام البلاد في موقف أكثر حساسية بكثير، إذ لم يتبق لهم سوى القليل من القنوات لتأمين العملات الأجنبية أو شراء السلع، وفق مصادر إيرانية رفيعة.
ونقلت رويترز عن ثلاثة مصادر إيرانية قولها إن الحملة الأميركية الرامية إلى خنق الاقتصاد أصبحت أشد وطأة على طهران. وأضافت المصادر أن الجهود الرامية إلى حرمان إيران من الوصول إلى شبكات التمويل الدولية في دول أخرى باتت تشكل تهديدا حقيقيا وملحا، بعد أن ظلت طهران تعتمد على ذلك لزمن طويل للحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد، .
ومن شأن أي مؤشرات على أن الحملة الاقتصادية قد تنجح في كسر الجمود المستمر منذ أشهر في الصراع أن يسعد صناع القرار في واشنطن.
لكن إيران حذرت في المقابل من أنها قد ترد على الضغوط بمزيد من التصعيد العسكري، وهو ما يزيد المخاطر في مرحلة بالغة الحساسية.
الحصار والعقوبات الثانوية يضيقان الخناق على طهران
في الآونة الأخيرة، وسعت واشنطن نطاق العقوبات الثانوية على الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران، في محاولة لحرمانها من استخدام الدولار في تسوية معاملات مبيعات النفط وتمويل وارداتها الحيوية من السلع والمواد الخام.
وقالت المصادر الثلاثة الرفيعة إن هذه الجهود تجعل شبكات التهرب من العقوبات الحالية في إيران، مثل شركات الواجهة وناقلات النفط غير المسجلة والتهريب، مكلفة للغاية بحيث يصعب استخدامها.
وأظهرت بيانات كبلر أن شحنات النفط الخام الإيرانية تراجعت هذا الشهر إلى نحو 260 ألف برميل يوميا مقارنة مع نحو 1.7 مليون برميل يوميا قبل عام. ولم تعد تغادر الموانئ الإيرانية سوى كميات محدودة يجري نقلها عبر الشاحنات أو القطارات أو القوارب الصغيرة عبر بحر قزوين.
وقال أحد المصادر إن طهران تقول إنها لا تزال تمتلك عشرات الملايين من البراميل المخزنة في ناقلات خارج منطقة الحصار يمكنها بيعها، لكن العقوبات الجديدة من شأنها أن تدفع الوسطاء للتراجع أو المطالبة بمبالغ أكبر.
ويقول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إجمالي حجم التجارة تراجع بما يتراوح بين 25 و35 بالمئة، مع تضرر الواردات بوتيرة أكبر من الصادرات. وبزشكيان واحد من عدة مسؤولين كبار حذروا خلال الأسابيع القليلة الماضية من الوضع الإيراني الذي يتدهور بسرعة.
التحايل على العقوبات لم يجد نفعا
منذ اندلاع الصراع في أواخر فبراير، لم يُبد أي من الطرفين حتى الآن استعدادا لتقديم التنازلات التي يطالب بها الطرف الآخر، مما أبقى الصراع في حالة جمود مكلفة، وإن كانت مؤشرات بدأت تلوح بإمكانية تغير هذا الوضع.
وفي حين تتدفق كميات أكبر من الطاقة إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز رغم المحاولات الإيرانية المستمرة لتعطيل الملاحة فيه، أدى الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية إلى قطع المصدر الرئيسي لإيرادات طهران.
ومما يزيد من مشكلات إيران أن الاقتصاد كان يعاني بالفعل من أزمة عميقة قبل الصراع مع انهيار العملة وارتفاع التضخم. وزاد القصف الذي أستمر لأشهر أعباء جديدة تمثلت في فاتورة ضخمة لإعادة بناء الصناعة والبنية التحتية المتضررة.
وفي الوقت نفسه، قالت المصادر إن الضغوط المالية تؤثر بحد ذاتها على جهود طهران للتحايل على نظام العقوبات، إذ تترك لها سيولة نقدية أقل لدفع العلاوات المرتفعة التي تتطلبها عمليات التهرب من العقوبات بطرق غير مشروعة.
البنزين يكفي لشهرين فقط؟
وتراجع الريال الإيراني إلى مستويات متدنية غير مسبوقة خلال الأيام القليلة الماضية. وقال أحد المصادر الإيرانية إن البلاد لا تملك سوى مخزونات من البنزين تكفي لشهرين إضافيين، وهو ما يتعين استيراده رغم إنتاج النفط المحلي بسبب محدودية طاقتها التكريرية.
هل ينفجر الشارع الإيراني؟
يدرك حكام إيران تماما مخاطر حدوث انهيار اقتصادي وما قد يترتب عليه من احتمال تجدد احتجاجات واسعة اجتاحت البلاد في يناير والتي قمعتها السلطات بقتل آلاف المتظاهرين.
وقال علي أنصاري أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز باسكتلندا "تتعرض (إيران) لضغوط اقتصادية شديدة جدا. وتفقد السيطرة على المضيق. والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت ستختار التفاوض، وأعتقد أنها ستجد نفسها مضطرة إلى ذلك".
وتدخل الحرب مرحلة جديدة، إذ يحاول كل طرف التأثير على السياسة الداخلية للطرف الآخر.
وقال مسؤول إيراني رفيع المستوى إن إيران تأمل أن يردع خطر التضخم الإدارة الأميركية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، في حين تهدف واشنطن إلى دفع الإيرانيين إلى الثورة.
وفي الوقت نفسه، تؤدي الضغوط الأمريكية والهجمات الإيرانية نفسها إلى تعطيل أحد القنوات الرئيسية للتجارة الإيرانية، وقال تاجر إيراني في طهران يعمل في تجارة البضائع المستوردة "إذا بقيت هذه القنوات مغلقة، سيطلب المورد الدفع نقدا، مما يترتب عليه ضرورة مرور الصفقة عبر دولة أخرى، وبالتالي تصل الشحنة متأخرة وبسعر أعلى".
وانخفضت قيمة الريال من نحو مليون ريال للدولار قبل عام إلى أكثر من 2.2 مليون ريال حاليا.
"نزداد فقرا يوما بعد يوم"
تنعكس الأزمة الاقتصادية بقوة على الأوضاع المعيشية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن متوسط التضخم خلال الـ12 شهرا الماضية بلغ 69.9 بالمئة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بمعدل يقارب مثلي هذا الرقم.
وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 بالمئة في الربيع، في حين تراجع عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق، وسط انخفاض أوسع في معدل المشاركة في القوى العاملة.
وحتى بالنسبة لمن لا يزالون يعملون، فإن متوسط الراتب الشهري البالغ نحو 125 دولارا لا يكفي بأي حال من الأحوال لتغطية احتياجات الإنفاق الأساسية للأسرة التي تقدر بنحو 450 دولارا شهريا وفقا للبيانات الرسمية.
وقالت مهناز، وهي موظفة في القطاع الخاص تبلغ 34 عاما وطلبت عدم ذكر اسم عائلتها "نزداد فقرا يوما بعد يوم".





