منذ قيامها عام 1948، بنت إسرائيل جزءا كبيرا من تفوقها العسكري على شبكة واسعة من الدعم الغربي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي وفرت لها التمويل والسلاح والتكنولوجيا لعقود.
لكن الحروب المتلاحقة منذ هجوم 7 أكتوبر، وما رافقها من دعوات أوروبية لفرض حظر على السلاح وارتفاع الأصوات الأميركية المطالبة بتقييد المساعدات العسكرية، دفعت تل أبيب إلى إعادة النظر في إحدى المسلمات الأساسية لأمنها القومي.
ولعل أبرز تجليات هذا التحول هو الانتقال من المطالبة بضمان استمرار المساعدات العسكرية إلى السعي للتخلص من الحاجة إليها ... فكيف تخطط إسرائيل لتحقيق ذلك؟ وما الذي يدفعها إلى هذا المسار؟
الرهان على "الاستقلال العسكري"
خلال الأشهر الماضية، كرر نتنياهو في أكثر من مناسبة أن هدف إسرائيل هو بناء "صناعة أسلحة مستقلة" والتخلص تدريجيا من الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية.
وقال خلال مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية في القدس إن إسرائيل تريد الانتقال في علاقتها مع واشنطن "من المساعدات إلى الشراكة"، مضيفا أن بلاده قادرة على إنهاء الاعتماد على المكون المالي للمساعدات العسكرية الأميركية خلال عشر سنوات.
وبحسب صحيفة هآرتس، أوضح نتنياهو أن إسرائيل لا تطلب "أحذية أميركية على الأرض"، بل تريد تطوير صناعتها العسكرية الخاصة، مع الاستمرار في التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والدفاع السيبراني والاستثمارات المشتركة.
وتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي أيضا عن خطة تمتد لعقد كامل لبناء صناعة ذخائر وأسلحة محلية مستقلة، مؤكدا أن الهدف هو إنتاج أكبر قدر ممكن من الأسلحة داخل إسرائيل بدلا من الاعتماد على الموردين الأجانب.
وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن الحكومة أقرت استثمار نحو 108 مليارات دولار، لإنشاء صناعة تسليح وطنية واسعة النطاق، فيما وصف موقع مودرن دبلوماسي الخطة بأنها أكبر مشروع دفاعي صناعي في تاريخ إسرائيل الحديث.
لماذا تتجه إسرائيل إلى هذا الخيار؟
تعود دوافع هذا التحول إلى مجموعة من العوامل السياسية والعسكرية التي برزت منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023.
فبحسب نتنياهو، فإن القيود المختلفة التي فرضتها دول حليفة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا على بعض صادرات السلاح إلى إسرائيل خلال الحرب كشفت مخاطر الاعتماد المفرط على الموردين الخارجيين. وقال إن الهدف هو "تقليص اعتمادنا على جميع الأطراف، بما في ذلك الأصدقاء".
كما أشار تقرير تايمز أوف إسرائيل إلى أن الدعوات الأوروبية المتزايدة لفرض حظر على السلاح والعقوبات بسبب الحرب في غزة دفعت تل أبيب إلى إعادة التفكير في نموذجها الدفاعي التقليدي.
وربطت صحيفة جيروزاليم بوست التوجه الجديد بالتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها. وأشارت إلى أن 40 من أصل 47 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ أيدوا مؤخرا إجراءات تهدف إلى تقييد بعض مبيعات الأسلحة لإسرائيل، وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشرا على تآكل الإجماع التقليدي المؤيد لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي.
وذكرت الصحيفة أن الخطر بالنسبة لإسرائيل لا يكمن فقط في احتمال فقدان ذخائر أو معدات معينة، بل في فقدان القدرة على التنبؤ بالموقف الأميركي مستقبلا، معتبرة أن الأمن القومي لا يمكن أن يبقى رهينة لتغير الإدارات أو موازين القوى الحزبية في واشنطن.





