في فرنسا التي تستعد مبكرا لمعركة الرئاسة المقبلة، لا يمر الطريق إلى قصر الإليزيه دائما عبر ملفات الاقتصاد أو الهجرة أو الأمن. أحيانا يبدأ من مطعم حلال للدجاج المشوي في ضاحية باريسية.

هذا ما تجسده تجربة كريم بوعمران، عمدة سانت أوان وأحد الوجوه الصاعدة في الحزب الاشتراكي، بعدما تحولت معركته ضد سلسلة ماستر بوليه إلى قضية وطنية شغلت السياسيين ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

ووفق ما أوردته تقارير لفرانس 24 ووسائل إعلام فرنسية أخرى، فقد تجاوز الجدل حدود الخلاف البلدي ليصبح جزءا من النقاش السياسي الدائر داخل اليسار الفرنسي. وبينما كان الرجل يبرر تحركاته بالدفاع عن جودة الحياة والصحة العامة وتنويع الأنشطة التجارية، اتهمه منتقدون بممارسة ما وصفوه بـ"الاحتقار الطبقي" والسعي إلى تشجيع عملية تحضر للمنطقة على حساب الأنشطة التجارية الشعبية منخفضة التكلفة.

واليوم، وبعد إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية لعام 2027، تعود "حرب الدجاج" لتطرح سؤالا: هل كانت مجرد خلاف بلدي أم محطة سياسية في مسيرة رجل يسعى إلى الوصول إلى الإليزيه؟

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من سانت أوان إلى السباق الرئاسي

بحسب صحيفة لوموند، أعلن كريم بوعمران رسميا دخوله السباق الرئاسي خلال مقابلة مع إذاعة فرانس إنتر، قائلا: "أنا كريم بوعمران، مرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة".

وقدم نفسه بوصفه مرشحا لفرنسا "قوية وإنسانية" توفر الأمن والتعليم والسكن والرعاية الصحية لمواطنيها. كما دعا إلى توحيد قوى اليسار خارج إطار حزب فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون، مؤكدا أنه يريد تقديم بديل مختلف عن الاستقطاب السياسي القائم.

Image 1

وتشير لوموند إلى أن بوعمران يعد من أبرز الوجوه الصاعدة داخل الحزب الاشتراكي، ومن أوائل المسؤولين الفرنسيين المنحدرين من أصول مغاربية الذين تولوا رئاسة مدينة يزيد عدد سكانها على 50 ألف نسمة، إذ اكتسب حضورا وطنيا خلال استضافة مدينته للقرية الأولمبية في أولمبياد باريس 2024، كما أسس في عام 2024 حركة فرنسا الإنسانية والقوية.

كما نقلت الصحيفة عنه قوله إن جان لوك ميلانشون وجوردان بارديلا يمثلان نموذجين سياسيين يقومان على وضع الفرنسيين في مواجهة بعضهم البعض، مؤكدا أنه يريد تقديم مشروع سياسي مختلف.

لكن إعلان الترشح جاء في وقت لم يكن اسمه مرتبطا فقط بالطموحات الرئاسية، بل أيضا بمعركة غير مألوفة مع سلسلة مطاعم دجاج أصبحت من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي المحلي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"ماستر بوليه".. حين تحولت رائحة الدجاج إلى قضية سياسية

ووفقا لتقرير نشرته فرانس 24، بدأت الأزمة بعد افتتاح فرع جديد لسلسلة ماستر بوليه بالقرب من مقر بلدية سانت أوان في أبريل الماضي. وسرعان ما دخلت البلدية في مواجهة مفتوحة مع المطعم.

وتفيد فرانس 24 وBFM TV بأن بوعمران أمر بإغلاق المطعم بعد أيام قليلة من افتتاحه، كما وضعت البلدية كتل خرسانية أمام مدخله. وعندما قضت المحكمة الإدارية بإزالة هذه الحواجز، استبدلتها البلدية بأحواض زهور ضخمة، في خطوة أثارت موجة واسعة من السخرية والانتقادات.

وبرر بوعمران موقفه، وفق تصريحات نقلتها جي بي نيوز، بشكاوى السكان من الضوضاء وعمليات التسليم الليلية المتأخرة التي تصل أحيانا إلى الثانية صباحا، إضافة إلى الروائح المنبعثة من المطعم. وقال إن "مسؤولية العمدة هي حماية جودة حياة السكان". كما أكد أنه يريد أن يحصل الجميع على "غذاء عالي الجودة منذ سن مبكرة".

وفي مقابلة مع قناة BFM TV، وصف الروائح المنبعثة من المطعم بأنها "كارثية"، داعيا الصحفيين إلى التحدث مع السكان الذين يعيشون فوقه.

وأضاف أن القضية "ليست شجارا حول الدجاج"، بل تتعلق بضمان "العيش المشترك" والحفاظ على نوعية الحياة في المدينة. كما أكد أن "80% من سكان سانت أوان" يؤيدون موقفه في هذه القضية.

كما نقلت BFM TV عنه قوله إن تحركاته تأتي في إطار مواجهة ما سماه "تجانس المتاجر"، مؤكدا أن سكان المدينة انتخبوه من أجل تنويع الأنشطة التجارية. وقال إنه لا يعارض استهلاك الدجاج أو مطاعم الدجاج الحلال، لكن سانت أوان تضم بالفعل عددا كافيا من هذه المتاجر، مضيفا أنه كان سيتخذ الموقف نفسه لو تعلق الأمر بتركيز مفرط لأي نشاط تجاري آخر.

لكن المعركة لم تبق محصورة في إطارها البلدي. فبحسب فرانس 24، ردت إدارة ماستر بوليه بسلسلة من اللافتات الساخرة التي استهدفت العمدة مباشرة، بينما شبه بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي المواجهة بحصار مضيق هرمز. وتحول المطعم إلى مقصد للفضوليين وإلى رمز لما وصفه البعض بـ"دجاج الشعب"، خاصة أن السلسلة تقدم وجبات منخفضة التكلفة تلقى رواجا في الأحياء الشعبية.

بين الصحة العامة وتهم الاحتقار الطبقي

وتقول فرانس 24 إن الجدل تجاوز حدود مطعم واحد ليتحول إلى معركة سياسية داخل اليسار الفرنسي، حيث اتهم نواب من حزب فرنسا الأبية بوعمران بممارسة "مضايقات إدارية" ضد المطعم.

ووصف النائب إريك كوكرال ما جرى بأنه "إساءة استخدام للسلطة"، معتبرا أن البلدية تحاول التضييق على مشروع يوفر وجبات بأسعار في متناول الفئات الشعبية.

أما النائبة نادج أبومانغولي، فنقلت عنها جي بي نيوز قولها إن الهجمات المتكررة على ماستر بوليه تحمل أبعادا من "العنصرية والاحتقار الطبقي". كما اتهم منتقدون آخرون بوعمران بالسعي إلى تشجيع عملية "تحضر" للمنطقة عبر تفضيل متاجر وأنشطة تجارية لا تكون أسعارها في متناول الجميع، وهو ما نفاه العمدة بشدة.

في المقابل، ووفق ما نقلته BFM TV، يقدم بوعمران القضية باعتبارها جزءا من رؤية أوسع تتعلق بنوعية الغذاء والعدالة الاجتماعية. فقد دافع عن ما سماه "إتاحة الوصول إلى الجيد والأفضل"، منتقدا مفهوم "الإقامة الجبرية الغذائية"، أي افتراض أن سكان الأحياء الشعبية يجب أن يكتفوا بخيارات استهلاكية محددة بسبب أوضاعهم الاجتماعية. كما انتقد من يفترضون أن تناول الدجاج المشوي أو المقلي يشكل جزءا ملازما لهوية الطبقات الشعبية.

وبينما يستعد كريم بوعمران لخوض معركة الرئاسة، تبقى "حرب ماستر بوليه" واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في مسيرته السياسية. فبالنسبة إلى مؤيديه، تعكس القضية دفاعا عن جودة الحياة والصحة العامة وتنويع المشهد التجاري. أما بالنسبة إلى منتقديه، فهي تعكس توجها نحو إعادة تشكيل المشهد التجاري للمدينة على حساب أنشطة تجارية تحظى بشعبية في الأحياء ذات الدخل المحدود.