بعد أكثر من 3 أشهر من الحرب، بدأ آلاف اللبنانيين العودة إلى بلداتهم وقراهم في جنوب لبنان مستفيدين من تراجع حدة المعارك وإعلان وقف إطلاق النار.

لكن العودة لم تكن إلى حياة طبيعية، بل إلى مدن وقرى تغيرت معالمها، ومنازل تحولت إلى أكوام من الركام، وأراض زراعية أصابها الدمار، فيما لا تزال الغارات والطائرات المسيرة حاضرة في أجزاء من المنطقة.

وبينما يتحدث حزب الله عن الصمود والانتصار، ينشغل كثير من السكان بتفقد ما تبقى من ممتلكاتهم والبحث عن المفقودين وإحصاء الخسائر.

العودة إلى مدن تغيرت ملامحها

في تقرير نشرته صحيفة لو تان، يروي أكرم فرحان رحلته إلى منزله في النبطية عبر شوارع لم يعد بالإمكان تمييزها.

ويقول إن الطريق التي كانت تمر بجوار منزله اختفت تحت الركام، مضيفا أن 3 مبان كانت قائمة في المكان قبل أيام فقط. وعند تجوله في الحي، أشار إلى استمرار تصاعد أعمدة الدخان وإلى وجود جثث ما زالت مدفونة تحت الأنقاض في بعض المناطق.

وتفيد الصحيفة بأنّ النبطية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 75 ألف نسمة، أصبحت من أولى المدن التي تمكن السكان من الوصول إليها بعد تراجع القتال. لكن كثيرين لا يعودون إلا لساعات محدودة قبل المغادرة مجددا بسبب استمرار المخاطر الأمنية.

ومن بين هؤلاء علي، صاحب متجر للعطور في وسط النبطية. ويقول إن متجره الذي أعاد بناءه بعد حرب 2024 دمّر بالكامل، كما فقد مصنعه ومستودعه الجديد. ورغم ذلك يؤكد للصحيفة: "لن أغادر الجنوب أبدا". إلا أنّ منزله يقع في منطقة ما زالت القوات الإسرائيلية تمنع الوصول إليها، فيما تتواصل عمليات إطلاق النار في محيط بعض القرى القريبة.

كما نقلت صحيفة لوموند مشاهد مشابهة من القرى الواقعة بين صور وتبنين، حيث عاد السكان ليجدوها مدمرة بالكامل. وتقول الصحيفة إنّ معظم الوحدات السكنية التي دمّرت خلال الحرب، والتي يُقدّر عددها بنحو 70 ألف وحدة، تقع في جنوب لبنان.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

خسائر بشرية وقرى ما زالت تعيش تحت التهديد

بحسب لو تان، ما زالت آثار الحرب حاضرة في الحياة اليومية للسكان. في مقبرة جبشيت، جرى دفن 85 مقاتلا من حزب الله تحت منصة خرسانية كبيرة، بينما يقول القائمون على المقبرة إنّ عددا من الجثث لم يُعثر عليه حتى الآن.

وتنقل الصحيفة عن مديرة مستشفى النبطية منى أبو زيد أن المستشفى استقبل في يوم واحد 16 جثة، بينها شخصان قتلا بطائرات مسيرة بعد اقترابهما من مواقع إسرائيلية، فيما تعود بقية الجثث إلى أشخاص قتلوا قبل أيام وتعذّر الوصول إليهم بسبب المعارك. وأضافت أنّ اختبارات الحمض النووي ما زالت جارية للتعرف إلى بعض الضحايا.

وفي قرية الغندورية، يقول رئيس البلدية محمد نادر لصحيفة لوموند إن نحو 90% من منازل البلدة دمرت أو أصبحت غير صالحة للسكن. ويضيف أن إزالة الألغام قد تستغرق ما بين شهرين و٣ أشهر، لكن السكان مستعدون للعودة حتى لو اضطروا إلى الإقامة في خيام.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الدمار لا يقتصر على المباني.. بل يطال الأرض والزراعة

إلى جانب الخسائر البشرية والعمرانية، توثق منظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أضرارا بيئية وزراعية واسعة في جنوب لبنان.

تقول المنظمة إن أكثر من 90 ألف شخص نزحوا من القرى الحدودية خلال المراحل الأولى من الحرب، قبل أن تتوسع دائرة الدمار لتشمل مناطق واسعة من محافظتي الجنوب والنبطية.

ووفقا للتقرير، تعرض ما لا يقل عن 65 ألف شجرة زيتون للحرق أو التدمير، علما أن جنوب لبنان ينتج نحو 38% من محصول الزيتون في البلاد. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات وقد تحولت إلى مناطق متضررة أو محترقة.

وتشير غرينبيس إلى أن الأضرار طالت نحو 22.5% من الأراضي الزراعية اللبنانية، فيما نفقت نحو 1.8 مليون من الدواجن والماشية، وتضررت أكثر من 29 ألف خلية نحل، إضافة إلى خسائر في قطاع الصيد البحري. كما تضررت مساحات واسعة من الغابات والبساتين، بينما تقدر كمية الركام الناتجة عن الدمار بنحو 16 مليون طن.

وبينما يواصل السكان العودة تدريجيا إلى قراهم، تشير التقارير إلى أن إعادة الحياة إلى جنوب لبنان لا ترتبط فقط بإعادة بناء المنازل والطرق، بل تشمل أيضا معالجة آثار الدمار التي طالت البيئة والزراعة والبنية التحتية في منطقة كانت تشكل أحد أهم الأحواض الزراعية في البلاد.