بعد أشهر من الترقب، أزاحت مراسم الجنازة المتأخرة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الستار عن المشهد السياسي الجديد في طهران.
ولم تؤدِ الضربات العسكرية المركزة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تفكيك النظام، بل دفعته إلى هندسة أمنية جديدة، حيث استغلت النواة الصلبة للحرس الثوري فرصة غياب المرشد لابتلاع القرار تماماً، وإعادة إنتاج سلطة أكثر قسوة وراديكالية، بحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست.
إدارة الدولة من تحت الأرض
وتتمحور السيناريوهات الراهنة في طهران حول طبيعة الدور الذي يلعبه مجتبى خامنئي، والذي فرضت عليه الإجراءات الأمنية المشددة والمخاوف من الاستهداف المباشر البقاء متوارياً عن الأنظار، متنقلاً بين الملاجئ المحصنة والمخابئ الأرضية السرية.
هذا الغياب الطويل عن الفعاليات العامة والخطابات المباشرة، حتى خلال مراسم تشييع المرشد الراحل، يضعف الصورة التقليدية للمرجعية الدينية والدنيوية التي اعتادتها طهران، ويجعل من إدارة الدولة عملية معقدة تُدار بالوكالة عبر شبكة بطيئة من المعتمدين والمشرفين الأمنيين.
إلا أن خبراء الشأن الإيراني يؤكدون أن هذا الاختفاء ليس علامة ضعف بقدر ما هو إعادة تموضع لـ"سلطة الظل"؛ حيث يدير مجتبى من مخبئه القرارات الاستراتيجية العليا، بينما تُركت التفاصيل التنفيذية ومواجهة الجمهور لـ "مجلس قيادة جماعي" يتكون من أشرس جنرالات الحرس الثوري وأقلهم إيماناً بالحلول الدبلوماسية.
صعود جيل "مجلس حرب "
بينما كانت واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن يؤدي الضغط العسكري إلى تمكين التيارات المدنية أو البراغماتية، أفرزت الحرب واقعاً مغايراً تماماً، إذ أطاحت العسكرة الكاملة بالمسؤولين ذوي الخلفيات المدنية والتكنوقراط، وشهدت أروقة القرار تهميشاً واضحاً لتيار الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي، لصالح نخب عسكرية متشددة صُقلت عقليتها في ميادين القمع الداخلي وحروب الوكالة الإقليمية.
- محمد باقر ذو القدر (سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي): جنرال الحرس الثوري السابق ومهندس شبكات الربط مع العمليات الخارجية وفيلق القدس.
- أحمد وحيدي (القائد العام للحرس الثوري): المسؤول عن تيار القمع للاحتجاجات الشعبية الداخلية.
- محسن رضائي (المستشار العسكري للمرشد): الصوت الأعلى الداعي للمواجهة المباشرة والتصعيد ضد أي تحرك أميريكي.
حتى الوجوه التي تصنفها بعض الدوائر الغربية كقنوات اتصال محتملة، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، هي في الأصل نتاج للمؤسسة العسكرية والأمنية، مما يعني أن طهران باتت تُدار بعقلية "مجلس حرب" موحد الرؤية والأهداف.
"الحرب والسلم معا"
وبحسب تقرير لشبكة "بي بي سي" فإن الاختلاف الجوهري للنخبة الحاكمة اليوم يكمن في غياب "المكابح الإستراتيجية"، فلعقود طويلة، أدار علي خامنئي الصراع وفق معادلة حذرة عُرفت بـ "لا حرب ولا سلم".
أما الجيل الجديد، الذي يقوده مجتبى والجنرالات المحيطون به، فقد أثبتوا أنهم أكثر جرأة على اتخاذ "الخيارات الهجومية".
هذه النخبة لا تضم من تصفهم واشنطن بـ"العقائديين المغيبين"، بل هم الأكثر براغماتية وقسوة في آن واحد، ومستعدون للمخاطرة العسكرية واستهداف القواعد الأميركية مباشرة، ثم الجلوس في اليوم التالي على طاولة المفاوضات لإدارة السلام بنفس العقلية التي أداروا بها الحرب.
"الضغط الخشن"
يمتلك جيل "المخابئ" الجديد، بحسب توصيف واشنطن بوست، فهماً أكثر تشددا لنقاط الضعف الدولية مقارنة برعيل الثورة الأول عام 1979. فلم تعد أدوات النظام مقتصرة على الأساليب البدائية كاحتجاز الرهائن، بل انتقل إلى استخدام "الضغط الخشن على شرايين الطاقة العالمية" كبطاقة تفاوضية أساسية، وهو ما ظهر في عمليات التعطيل الممنهج لحركة ناقلات النفط في مضيق هرمز واستهداف المصالح الحيوية لحلفاء واشنطن في المنطقة.
وتسعى هذه القيادة، رغم تهالك الوضع الاقتصادي الداخلي وضغوط البنية التحتية، إلى استغلال مناخ التهديدات الخارجية لفرض حالة الطوارئ الدائمة في الداخل، وقمع أي بوادر للاحتجاج الشعبي عبر حملة إعدامات واعتقالات غير مسبوقة.
أزمة ما بعد صمت المدافع
وتُجمع التحليلات الاستخبارية على أن "إمبراطورية المخابئ" نجحت في عبور عاصفة الحرب المباشرة وإعادة ترتيب صفوفها من الأسفل. ومع ذلك، فإن هذا النفوذ الحديدي سيواجه اختباره الحقيقي عندما تضع الحرب أوزارها تماماً؛ حيث سيكون على سلطة الظل مواجهة الشارع الإيراني المحبط باقتصاد شبه منهار، وبنية صناعية منهكة.
ورغم أن مسارات التفاوض غير المباشرة قد تمنح طهران متنفساً مالياً عبر الإفراج عن بعض الأرصدة المجمدة، إلا أن معضلة الشرعية الداخلية، وإدارة الدولة من وراء الجدران المحصنة، ستبقى التحدي الأكبر المهدد لاستقرار النخبة الحاكمة الجديدة على المدى الطويل.





