لم يعد البرنامج النووي الإيراني يمثل ورقة الردع الأولى في الاستراتيجية الإيرانية كما كان خلال العقدين الماضيين، إذ كشفت صحيفة إل باييس في تقرير حديث عن تحول استراتيجي أعمق، يتمثل في انتقال مركز الثقل من الردع النووي إلى الردع الجيو-اقتصادي القائم على التحكم بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.

ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة داخل المؤسسة الإيرانية بأن القدرة على تهديد إمدادات النفط والغاز العالمية أصبحت أكثر تأثيرا في حسابات واشنطن وحلفائها من مجرد امتلاك برنامج نووي أو ترسانة صاروخية.

ومن هذا المنطلق، تبدو طهران مستعدة لتحمل الضربات العسكرية والخسائر الاقتصادية مقابل الحفاظ على هرمز باعتباره "ورقة الردع الأخيرة" التي تضمن بقاء النظام وتفرض كلفة مرتفعة على أي مواجهة مستقبلية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من الردع النووي إلى "ورقة هرمز"

خلال الأشهر الماضية، تغيرت طبيعة السلوك الإيراني بصورة لافتة. فبدلا من جعل الملف النووي محور التفاوض والضغط، ركزت طهران على فرض سيادتها الفعلية على مضيق هرمز، معتبرة أن أي مسار ملاحي بديل يقلل من قدرتها على التحكم بالمضيق يمثل تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

وقد تمثل ذلك في رفضها استخدام الممر البحري الواقع في المياه العمانية، ثم استهدافها ناقلات غاز ونفط استخدمت هذا الطريق، معتبرة أن تجاوز المياه الإيرانية يفرغ مضيق هرمز من قيمته الاستراتيجية.

ووفقا لهذا المنطق، لم يعد الهدف الرئيسي تحقيق مكاسب اقتصادية من الملاحة، بل الحفاظ على القدرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي، باعتبارها الركيزة الأساسية لسياسة الردع الإيرانية الجديدة.

الطاقة كسلاح استراتيجي يتجاوز الحدود العسكرية

تدرك طهران أن أي اضطراب في مضيق هرمز لا يقتصر تأثيره على دول الخليج، بل يمتد مباشرة إلى الأسواق العالمية وأسعار النفط والغاز.

قبل اندلاع الحرب، كان المضيق يمر عبره نحو خمس النفط العالمي، ما يمنحه وزنا اقتصاديا لا يقل أهمية عن قيمته العسكرية.

وتشير تقديرات خبراء إلى أن استمرار إغلاق المضيق لمدة شهرين قد يدفع أسعار النفط إلى أكثر من 200 دولار للبرميل، وهو مستوى قد يفرض ضغوطا سياسية واقتصادية كبيرة على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما أن توسيع دائرة الضغط إلى البحر الأحمر عبر هجمات الحوثيين على ناقلات النفط يعزز قدرة إيران على تهديد طرق الطاقة البديلة، ويحول معركة المضائق إلى عنصر رئيسي في استراتيجية الردع الإقليمية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

رهان إيراني على حرب طويلة دون غزو بري

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على فرضية أن الولايات المتحدة، رغم استمرار الضربات الجوية، لن تقدم على غزو بري واسع لإيران بسبب الكلفة العسكرية والسياسية المرتفعة.

ويعزز هذا التقدير اتساع الأراضي الإيرانية، وطبيعتها الجغرافية المعقدة، وحجم قواتها النظامية وقوات الحرس الثوري وقوات التعبئة، وهي عوامل تجعل أي احتلال عسكري مهمة شديدة الصعوبة.

وفي المقابل، لا تبدو القيادة الإيرانية مقتنعة بإمكانية التوصل إلى سلام دائم عبر التفاهمات المؤقتة، بل تنظر إليها كفرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية وإصلاح منظوماتها الدفاعية وتجديد مخزونها من الأسلحة قبل استئناف المواجهة.

ومن هذا المنطلق، لم تعد السيطرة على مضيق هرمز مجرد أداة تفاوض، بل أصبحت جزءا من عقيدة أمنية تعتبر أن التخلي عنها سيجعل إيران أكثر عرضة لضربات متكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل.