في مشهد جيوسياسي متغير، لم تعد الصراعات الإقليمية محصورة في نطاقاتها الجغرافية، بل أصبحت تتداخل وتتشابك بطرق تعيد تعريف مفهوم الحرب التقليدية.
حرب أوكرانيا، التي اشتعلت نيرانها في قلب أوروبا، وحرب إيران ووكلائها في الشرق الأوسط، لم تعدا مجرد نزاعين منفصلين، بل أصبحا وجهين لعملة واحدة في صراع عالمي أوسع.
في خطوة تعكس هذا التداخل، تمكنت أوكرانيا مؤخرا من ضرب أهداف إيرانية في قلب بحر قزوين، أكبر بحيرة في العالم، مما يؤكد أن طبيعة الصراع باتت تأخذ منحى عالميا.
هذا التطور، إلى جانب التقارير عن تعاون عسكري متزايد بين روسيا وإيران وكوريا الشمالية والصين، يطرح تساؤلات جدية حول إمكانية تشكل محاور عالمية جديدة تشبه تلك التي سبقت الحربين العالميتين، حيث تتداخل المصالح والأهداف لتخلق بيئة شديدة الاشتعال.
من صراعات إقليمية إلى محاور عالمية
في تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز، يطرح الكاتب جيديون راشمان رؤية عميقة لكيفية تحول هذه الصراعات الإقليمية إلى بذرة لحرب عالمية جديدة.
يشير راشمان إلى أن الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط وأعمال التصعيد في شرق آسيا، على الرغم من كونها متميزة حاليا، إلا أنها بدأت تتداخل بشكل خطير.
ومن أبرز مظاهر هذا التداخل، الهجوم الأوكراني على سفن إيرانية في بحر قزوين، وهو ما اعتبرته طهران "مغامرة خطيرة"، بالإضافة إلى تحذيرات الرئيس زيلينسكي من أن كوريا الشمالية تستعد لإرسال 30 ألف جندي إضافي لدعم روسيا.
يرى الكاتب أن هذه التحركات تقرب العالم من شبح حرب عالمية، حيث تستوفي الصراعات الحالية بعض معايير الحروب العالمية السابقة، مثل امتدادها على قارتين، أوروبا وآسيا، وتأثيرها على أفريقيا.
والأكثر خطورة هو تشكل ما يصفه بعض الاستراتيجيين الأميركيين بـ "محور الخصوم" أو "محور الاضطراب"، الذي يضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية. هذه الدول الأربع، رغم عدم وجود تحالف رسمي بينها، تشترك في أهداف مشتركة، أبرزها تسريع تراجع النفوذ الأميركي وهيمنة كل منها على منطقتها.
المشكلة الأكبر لا تكمن في قوة المحور المعادي، بل في ضعف الجبهة المقابلة له. فترامب يصد حلفاءه بمواقفه العدائية، وإسرائيل تتحول تدريجيا إلى دولة غير مرغوب فيها في عدد من دول العالم، مما يحبط أي محاولة لتشكيل تحالف دولي صلب.
وهنا يبرز السؤال: هل كانت ضربة أوكرانيا لإيران مجرد رد عسكري، أم أنها رسالة سياسية ذكية إلى إدارة ترامب؟ يجيب راشمان بأنها قد تكون محاولة من كييف لقول لواشنطن: "نحن معكم ضد أعدائكم"، خاصة في ظل الأدلة على أن روسيا تساعد إيران في استهداف القوات الأميركية، مما يجعل أوكرانيا حليفا لا غنى عنه في هذه المواجهة العالمية.
في النهاية، يحذر المحلل من أن التاريخ أثبت أن الصراعات الإقليمية وسوء التقدير من قبل القوى الكبرى يمكن أن يكونا مزيجا قاتلا، كما حدث في القرن العشرين، مشيرا إلى أن كلا من واشنطن وبكين تحضران لحرب محتملة ولكنها تحاولان أيضا منع تحول التنافس إلى صراع مفتوح.
بحر قزوين.. نقطة التقاء جديدة للحروب
في تقرير مفصل، تركز شبكة سي إن إن على الأهمية الاستراتيجية المتصاعدة لبحر قزوين، الذي أصبح ساحة جديدة للصراع بين أوكرانيا وإيران وروسيا.
توضح الشبكة أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة تأتي في ظل الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية في الخليج العربي وبحر عمان، مما جعل بحر قزوين شريانا حيويا بديلا لتجارة إيران، وخصوصا مع روسيا وآسيا الوسطى والصين.
هذا الممر المائي الداخلي، الذي تحده روسيا وإيران ودول أخرى، أصبح أقل عرضة للعقوبات الدولية، مما يزيد من قيمته كطريق لنقل البضائع، بما في ذلك الحبوب والصلب والنفط.
لكن الأهم من التجارة، هو الدور الذي يلعبه بحر قزوين في تعزيز العلاقات العسكرية المتنامية بين موسكو وطهران. فقد استخدمت روسيا هذا الممر لتلقي أولى شحنات الطائرات المسيرة، شاهد، الإيرانية، كما تم استهداف سفن تحمل صواريخ باليستية إيرانية ومكوناتها في هذه المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن الهجمات الأوكرانية الأخيرة، التي استهدفت سفن روسية محملة بشحنات عسكرية من إيران، هي دليل على قدرة كييف المتزايدة على الضرب بعيدا داخل العمق الروسي، واعتراف منها بالدور المحوري الذي تلعبه إيران وكوريا الشمالية في دعم المجهود الحربي الروسي.
وترى سي إن إن أن توقيت هذه الضربات دقيق للغاية، حيث تزامن مع زيارة الرئيس زيلينسكي لواشنطن للقاء الرئيس ترامب في رسالة أوكرانية واضحة: نحن في نفس المعسكر المواجه لإيران وروسيا.
من خلال استهداف السفن الإيرانية التي تزود روسيا بالسلاح، تحاول أوكرانيا تعزيز موقفها كحليف قادر على خدمة المصالح الأميركية في المنطقة، خاصة وأن زيلينسكي قد أشار سابقا إلى تزويد روسيا لإيران ببيانات الأقمار الصناعية لاستهداف القوات الأميركية في الشرق الأوسط. هذا التقارب في التهديدات يعيد تشكيل التحالفات ويجعل من المستحيل فصل النزاعات عن بعضها البعض.
تعقيدات المشهد ورهانات المستقبل
بحسب التقارير، يقف العالم على مفترق طرق خطير، حيث لم تعد الحروب الإقليمية مجرد أزمات محلية، بل أصبحت جزءا من لعبة جيوسياسية كبرى.
يعد التداخل بين حرب أوكرانيا والصراع مع إيران، كما يتجسد في بحر قزوين، نموذجا مصغرا لكيفية تحول الصراعات إلى شبكة معقدة من المصالح والتحالفات. فالدعم الإيراني لروسيا بالمسيرات والصواريخ، والدعم الروسي لإيران بالمعلومات الاستخباراتية، والدعم الكوري الشمالي للجيش الروسي، كلها خيوط تنسج نسيجا من المواجهات التي تتجاوز الحدود الجغرافية.
في هذا السياق، تسعى أوكرانيا لاستغلال هذا التشابك لكسب تأييد دولي أوسع، خاصة من الولايات المتحدة، وذلك بإظهار نفسها كطرف فاعل في مواجهة المحور الذي تقوده روسيا وإيران. بينما تحاول أطراف أخرى، كالصين، أن تظل لاعبا داعما بشكل غير مباشر، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من الصعب توقع مساره.





