في خطوة تحمل أبعاداً أمنية وسياسية تتجاوز مسألة دمج التشكيلات المسلحة، يمضي العراق نحو إدماج وحدات مقاومة سنجار (اليبشه) ووحدات حماية المرأة ضمن مؤسساته الأمنية الاتحادية، في مسارٍ يهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وتوحيد القرار الأمني في قضاء سنجار بمحافظة نينوى.
يأتي الاتفاق في منطقةٍ لا تزال تداعيات المجازر التي ارتكبها تنظيم "داعش" عام 2014 بحق أبناء الأقلية الإيزيدية التي تشكل أغلبية سكان المنطقة، حاضرة في واقعها السياسي والإنساني، وسط تحديات تتعلق بإعادة الإعمار وعودة النازحين وحسم الخلافات بشأن إدارة القضاء ومستقبله الأمني.
عن هذا أفاد صباح النعمان، الناطق باسم القوات المسلحة العراقية، في تصريحات خاصة لـ"بلينكس"، بأن الدمج يأتي في إطار حصر السلاح بيد الدولة، واصفاً إعلان الدمج بأنه "يوم تاريخي".
وأضاف أن دمج وحدات مقاومة سنجار ووحدات حماية المرأة مع القوات الأمنية الاتحادية تمّ بكامل عديدها وعتادها، مشيراً إلى أن الاتفاق هو نتاج عمل طويل على المستويين السياسي والأمني، على أن يمتد الجدول الزمني لتنفيذه حتى 30 يونيو 2027، ويشمل أكثر من 4 آلاف عنصر.
سنجار.. من الإبادة إلى تعقيدات النفوذ الأمني
تعود جذور هذا الملف إلى عام 2014، حين اجتاح تنظيم "داعش" قضاء سنجار ومناطق إيزيدية أخرى، وارتكب عمليات قتل وخطف واستعباد وتهجير جماعي بحق أبناء الأقلية الإيزيدية.
وأمام انهيار المنظومة الأمنية آنذاك، تشكّلت مجموعات مسلحة للدفاع عن الإيزيديين ومناطقهم، من بينها وحدات مقاومة سنجار، المعروفة باسم "اليبشه"، إلى جانب وحدات حماية المرأة. وكلتا المجموعتان تُعرفان بارتباطهما بحزب "العمال الكردستاني" المنحّل منذ أكثر من عام.
لكن المشهد الأمني في سنجار لم يقتصر على هذه التشكيلات، بل تداخلت فيه أدوار القوات الاتحادية وقوات إقليم كردستان، فضلاً عن نفوذ جماعات مسلحة وارتباطات إقليمية، في ظل خلافاتٍ بين بغداد وأربيل بشأن إدارة القضاء وترتيباته الأمنية.
كما أبقت هذه التعقيدات مستقبل المنطقة عرضة للتجاذبات السياسية، في وقت لا يزال فيه ملف النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة من أبرز التحديات أمام السلطات العراقية.
عن هذا شرح هادي شنكالي، المتحدّث باسم وحدات مقاومة سنجار، في تصريحات خاصة لــ"بلينكس"، أن العدد الإجمالي لمقاتلي وحدات مقاومة سنجار الذين سيُدمجون ضمن المؤسسات الأمنية العراقية سيتجاوز 4 آلاف مقاتل، موزّعين على هيئة الحشد الشعبي والشرطة المحلية والجيش العراقي.
ووصف شنكالي العملية بأنها "خطوة تاريخية" بالنسبة إلى العراق ووحدات مقاومة سنجار، معتبراً أنها تمثّل تحولاً مهماً في مستقبل المنطقة.
كما اتهم حكومة إقليم كردستان بمحاولة خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في سنجار على مدى سنوات، مضيفاً أن الإيزيديين تمكنوا من الصمود في مواجهة ما وصفها بالمخططات التي تستهدف أمن المنطقة واستقرارها.
ورأى شنكالي أن الاتفاق يمكن أن يشكّل مدخلاً لمعالجة الخلافات السياسية والإدارية والعسكرية في سنجار، وخطوة باتجاه إعادة إعمار المنطقة وتهيئة الظروف اللازمة لعودة النازحين إلى ديارهم.
ماذا عن آليات التنفيذ؟
غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بآليات تنفيذها على الأرض، وطبيعة توزيع المقاتلين على المؤسسات الأمنية، ومدى قدرة الترتيبات الجديدة على ضمان وحدة القيادة وتفادي تجدد التنافس على النفوذ في القضاء.
إذ رأى الصحافي الإيزيدي العراقي سامان داوود أن الاتفاق يحمل دلالات تتجاوز إعادة تنظيم القوات المسلحة، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقة الإيزيديين بالدولة العراقية، ومستقبل القرار الأمني في سنجار، وإمكان إنهاء مرحلة طويلة من التداخلات السياسية والعسكرية.
وقال داوود، في تصريحات لـ"بلينكس"، إن نفوذ حزب العمال الكردستاني خلال فترة الإبادة الجماعية للإيزيديين عام 2014 اقتصر على تقديم الدعم، من دون التأثير في قرارات وحدات مقاومة سنجار، مشدداً على أن هذه الوحدات احتفظت باستقلالية قرارها بحكم هويتها الإيزيدية والعراقية.
وأضاف أن الإيزيديين يشعرون بالارتياح إزاء الاتفاق، مشيراً إلى وجود ترحيب عراقي سياسي وشعبي بالعملية، التي يتوقع أن تسهم في تعزيز الاستقرار الأمني وتوحيد القرارات الأمنية في سنجار.
كما رأي بحسب قراءته، أن إدماج هذه التشكيلات ضمن مؤسسات الدولة يمكن أن يشكّل خطوة باتجاه تنظيم العلاقة بين المقاتلين والسلطات الرسمية، وإنهاء جانب من الإشكالات المرتبطة بتعدد الجهات المسلحة ومراكز القرار.
رغم ذلك، لفت داوود إلى أن الترحيب بالاتفاق لا يعني أن الملف الإيزيدي قد حُلّ، إذ أن التحدي الأهم يتمثل في تحويل التفاهم الأمني إلى تغيير ملموس في حياة السكان، ولا سيما أولئك الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ هجمات "داعش".
وشدد على أن عودة النازحين ستعتمد على شروع الدولة العراقية في إعادة الإعمار وتوفير الخدمات وتحسين الإدارة المحلية، معتبراً أن تنفيذ هذه الخطوات يمكن أن يشجّع أغلبية النازحين على العودة، ويساعد على إعادة الحياة إلى طبيعتها في سنجار.
وأشار إلى أن الحكومة العراقية أكدت أهمية الإعمار والخدمات ضمن مسار إعادة النازحين، لكن ترجمة هذه التعهدات إلى إجراءات عملية ستظل المعيار الأساسي لقياس نجاح الاتفاق.
إلى ذلك، لا يفصل داوود مستقبل الاتفاق عن الخلاف السياسي بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان بشأن سنجار، معتبراً أن الاتفاق لا يرضي أربيل، بحسب تقديره، لأنها تنظر إلى القضاء باعتباره جزءاً من إقليم كردستان، في حين يؤكد أن سنجار تتبع إدارياً محافظة نينوى، الخاضعة للحكومة الاتحادية.
وأوضح أن التوترات السياسية بشأن المنطقة مستمرة منذ سنوات، مشيراً إلى أن أهالي سنجار يميلون، وفق رأيه، إلى تعزيز ارتباطهم ببغداد.
أيضا دعا حكومة إقليم كردستان إلى احترام رغبة السكان، مطالبا الحكومة العراقية باتخاذ خطوات إضافية لكسب ثقة الإيزيديين وتعزيز شعورهم بأن الدولة تمثل مصالحهم وتحمي حقوقهم.
وفي سياق إقليمي أوسع، تحدث داوود عن تفاهم عراقي تركي بشأن تغيير آلية التعامل مع الأوضاع في سنجار بعد عملية الدمج، مشيراً إلى أن هذا المسار يشمل، وفق ما ذكره، انسحاب القوات التركية من معسكر بعشيقة.
ورأى الصحافي الإيزيدي أن هذه التطورات قد تسهم في تحسين العلاقات بين بغداد وأنقرة وتخفيف التوتر بين الجانبين، لافتا إلى أنه لو اقترنت الترتيبات الجديدة بخطوات عملية على الأرض، فقد تفتح المجال أمام معالجة جانب من التعقيدات الأمنية التي تحيط بسنجار، والتي تتداخل فيها الحسابات المحلية مع مخاوف تركيا الأمنية ومواقف الأطراف العراقية والكردية.
يذكر أن الحكومة العراقية، كانت أعلنت الاثنين، التوصل إلى اتفاق مع وحدات مقاومة سنجار (YBŞ) ووحدات المرأة في سنجار، يقضي بإنهاء وضعهما العسكري المستقل ودمج 4165 مقاتلاً ومقاتلة في المؤسسات الأمنية الرسمية، ضمن مساعي بغداد لحصر السلاح بيد الدولة.
وأكدت السلطات العراقية بدء تسلم مواقع عسكرية استراتيجية في جبل سنجار، فيما أعلنت قيادة الوحدات الإيزيدية انتقالها إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة، من دون التخلي عن مطالبها بضمان حقوق المقاتلين وعائلات الضحايا.





